شبكــة أنصــار آل محمــد

شبكــة أنصــار آل محمــد (http://www.ansaaar.com/index.php)
-   بـاب السيـرة النبـويـة (http://www.ansaaar.com/forumdisplay.php?f=88)
-   -   في رحـــاب الحُبّ النبويّ (http://www.ansaaar.com/showthread.php?t=24504)

نسيم السُنة 30-05-12 10:51 PM

في رحـــاب الحُبّ النبويّ
 


في رحـــاب الحُبّ النبويّ


سيرةٌ عطــــــــرة



بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الأحد الصمد , الذي لم يلد ولم يولد , ولم يكن له كفواً أحد , ذي الجلال والإكرام , والأسماء والصفات العظام , شهدت له بالربوبية جميع مخلوقاته , وأقرت له بالإلهية جميع مصنوعاته , والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء , وسيد الأصفياء , وأكرم من مشي تحت أديم السماء , محمد بن عبدالله شرح الله صدره , ووضع عنه وزره , ورفع له ذكره فلا يُذكر عز وجل إلا ذُكر معه في الأذان والتشهد والخطب , بعثه كافة للناس ورحمة للعالمين , وتكفل جل شأنه بسعادة الدارين لمن أحبه واتبع سبيله ووقره وعزره .
أما بعد : فإن الحديث عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حديث عظيم وشائق , فهو حديث عن أكرم من وُلِد وأعزّ من فُقِد وأفضل عبادِ الله تعالى خلقاً وخُلُقاً , أخرج الله تعالى به العباد من ظلمات الجهل ودركات الشقاء إلى نور الإيمان ودرجات الجنان , فكل مسلم مدين للرسول عليه الصلاة والسلام خيرِ مبلِّغ وأعظمِ داعية :

يا من تخيـره الإلـه لخلقـه
........... فحباه بالخلق الزكي الطاهـر
أنت النبي وخـير عصبة أدم
........... يا من يجود كفيض بحر زاخر

والله نجد صعوبة في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من خلال صفحات على هذا المنبر لا تتسع إلا لإضاءات يسيرة ترسم المعالم وترشد إلى الطريق , وعلى من أراد الإطلاع على سيرته العظيمة والعيش معه صلى الله عليه وسلم في كل حركاته وسكناته أن يرجع إلى كُتب السيرة التي تتحدث عنه بإسهاب مثل :
البداية والنهاية , وسيرة إبن هشام , والروض الأنف , وزاد المعاد في هدي خير العباد , والرحيق المختوم , والسيرة النبوية في ضوء المصادر الأصيلة , والفصول في سيرة الرسول , والشمائل , وعشرات الكتب غيرها ليجد العيش الهانىء والظلال الوارف والقطوف الدانية في سيرة من قال عن نفسه :
أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر , وبيدي لواء الحمد ولا فخر , وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي , وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر ) رواه الترمذي وقال حسن صحيح .
وقوله عليه الصلاة والسلام : ( سأقوم مقاماً يرغب إليَّ الخلق كلهم حتى إبراهيم ) . رواه مسلم .

من أراد نيل شفاعته عليه الصلاة والسلام فعليه بنصرته ولنبدأ بأنفسنا أولاً
بتطبيق شريعته عليه الصلاة والسلام , والإئتمار بأمره والإنتهاء بنهيه
والإهتداء بهديه , والتأسي بخلقه وشمائله التي يحوي طرحنا هذا جانباً

يسيراً منها , نرجوا الصبر يا أحبتنا حتى الإنتهاء من هذا الطرح المبارك

نسأل الله تعالى أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم
وأن يكتب له القبول , إنه سبحانه سميع مجيب الدعاء



يتبع بإذن الله


نسيم السُنة 30-05-12 10:54 PM



في رحـــاب الحُبّ النبويّ


رسالة من القلب لمن يتابعنا من غير المسلمين

ربما تكون مسيحى بروتستانتى أو كاثوليكى أو يهودى ، ربما تكون ملحداً أو ممن لا يؤمنون بالغيبيات أو تكون منتمياً لأى من الطوائف الدينية فى عالمنا المعاصر. ويمكن أن تكون شيوعياً أو ممن يؤمنون بأن الديمقراطية البشرية هى الأساس على الأرض. فمهما كانت مفاهيمك أو معتقداتك السياسية أو التقاليد الاجتماعية التى تتبعها فلا شك أنك تعرف ذلك الرجل : محمـد ( صلى الله عليه و سلم ).

فهو ولا شك أعظم من وطأت قدماه الأرض. فقد دعا إلى الإسلام وأسس دولة وبنى أمة ووضع أسس الأخلاق، كما صحح الكثير من الأوضاع السياسية و الاجتماعية مؤسساً بذلك مجتمعاً قوياً و فعالاً يحمل تعاليمه ليغير حياة البشر حتى آخر الزمان.

محمد ( صلى الله عليه و سلم )

ولد فى الجزيرة العربية عام 570 ميلادية ، بدأ رسالته بالدعوة لدين الله الحق الإسلام عندما بلغ الأربعين من عمره ورحل عن عالمنا ( صلى الله عليه و سلم ) عندما بلغ الثالثة و الستين من العمر .
خلال هذه الثلاث و العشرون عاماً فقط من النبوة استطاع تحويل شبه الجزيرة العربية كلها من الوثنية و عبادة الأصنام إلى عبادة الله الواحد ، من الحروب و الصراعات القبلية إلى أمه موحدة متآلفة ، من السكر و العربدة إلى البر و التقوى ، من حياة الفوضى و القبلية إلى حياة الطاعة و الرشاد ، من الانحلال الأخلاقي إلى قمة حسن الخلق. فلم يشهد التاريخ مثل هذا التحول التام لأناس أو مكان قبل ذلك أو بعده ولك أن تتخيل حدوث كل هذا التغيير خلال فترة لا تزيد عن العقدين إلا قليلاً.




لقد شهد العالم الكثير من العظماء . ولكن كل منهم تميز فى ناحية أو اثنتين من نواحى الحياة فقط مثل المعتقدات الدينية أو القيادة العسكرية . ومع ذلك طمست تعاليمهم بمرور الزمن وتغير الحياة بما يؤثر فى الحكم على مدى نجاح أو فشل تلك التعاليم مما يجعل من المستحيل على البشرية أن تحى تعاليم هؤلاء العظماء.

ولكن ذلك لا ينطبق بأى حال على محمد ( صلى الله عليه و سلم ) حيث أكمل الكثير فى مجالات متعددة ومختلفة سلوكياً و فكرياً بتألق ليس له مثيل فى تاريخ البشرية. فقد وثقت كل تفاصيل حياته الخاصة وأحاديثه العامة بدقة وحفظت بإخلاص حتى يومنا هذا. وإسناد تلك الأحاديث لم يحققه صحابته والتابعين المخلصين فقط بل أيضاً ناقديه و المتحاملين عليه.


كان محمد ( صلى الله عليه و سلم ) معلماً دينياً ، ومصلحاً اجتماعياً ، وقائداً أخلاقياً ، وحاكماً مثالياً ، وصديقاً وفياً ، ورفيقاً رائعاً ، وزوجاً مخلصاً وأباً حنوناً كل ذلك فى شخص واحد. على مر التاريخ لم يتفوق أحد عليه فى مثل هذه الصفات المجتمعة فى مجالات الحيا ة المختلفة كما و لم يرق أحد ليساويه فكان وحدة بشخصيته المعطاءة الذى وصل إلى هذا الحد من كمال الأخلاق.

ما كان محمد ( صلى الله عليه و سلم ) إلا بشراً ، رجلاً يحمل رسالة نبيلة لتوحيد البشرية لعبادة الله الواحد الأحد و يأخذ بيدها للطريق الحق للحياة فى طاعة الله. فقد كانت كل أفعاله تؤكد على ما كان يصف نفسه به دائماً " عبد الله و رسوله ".




واليوم و بعد مرور أربعة عشر قرناً تعيش تعاليم محمد ( صلى الله عليه و سلم ) بيننا بدون نقص أو زيادة أو تحريف. تعيش لتدعم الأمل فى علاج أمراض البشرية كما كانت تفعل فى حياته. وذلك ليس ادعاءاً من أتباعه ولكنها النتيجة الحتمية التى يسطرها لنا تاريخ لا يتحيز لأحد.


أقل ما يمكن أن تفعله كإنسان مفكر و مهتم أن تسأل نفسك : هل يمكن لهذه العبارات القاطعة والفائقة للعادة أن تكون صحيحة ؟ ولنفترض ذلك وبأنك لم تسمع بذلك الرجل من قبل محمد ( صلى الله عليه وسلم) ألم يحن الوقت أن تستجيب لتلك التساؤلات الهائلة وتبذل بعض المجهود للتعرف عليه؟
لن يكلفك الأمر شيئاً ولكن ربما يكون بداية حقيقة جديدة فى حياتك .


ندعوك لإكتشاف ذلك الرجل الذى لم يمش على الأرض من هو خير منه محمد ( صلى الله عليه و سلم ).


يتبع بإذن الله



دآنـة وصآل 31-05-12 01:07 AM

جزآكم الله خيراً على ماتقدمونه ونفع بكم الإسلآم والمسلمين
ورحم الله أخيكم خآلـــد وجعله في الفردوس الأعلى من الجنة

الأسيف 31-05-12 02:41 AM

جزاك الله خير

خواطر موحدة 31-05-12 04:12 AM

بارك الله فيكم وجزاكم خيرآ ...

نسيم السُنة 31-05-12 06:49 AM











في رحـــاب الحُبّ النبويّ

ظلمات العالم قبل مجيء سيد الخلق صلوات ربي وسلامه عليه

إذا ألقينا نظرة سريعة على أحوال العالم قبل بعثة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، أدركنا مدى ما وصل إليه حال الأمم فى شتى الأنحاء من تدهور إيمانى، وضياع أخلاقى، وبعد حقيقى عن منهج الحق تبارك وتعالى الذى ارتضاه للعباد، والهدف الأساس الذى من أجله خلق الإنسان، وأن هذه الأمم لم تكن مؤهلة فى هذه الفترة لحمل رسالة عالمية، تخرج البشرية من الغى والضلالة إلى الهدى والرشاد.
كان يحكم العالم دولتان كبيرتان هما الفرس والروم، ومن ورائهما اليونان والهند وغيرهما من خلق الله فى بلاد متفرقة، ولم يكن الفرس يدينون بدين صحيح، وإنما كانوا مجوسًا يعبدون النار، ويعتنقون مبادئ الزرادشتية والمزدكية، وكلاهما انحرفا عن طريق الفطرة السليمة، فالزرادشتية مثلاً تفضل زواج الرجل بأمه أو ابنته أو أخته، والمزدكية من فلسفاتها حل النساء جميعًا وإباحة الأموال، وجعل الناس شركاء فيها، كاشتراكهم فى الماء والهواء والنار والكلأ.
أما الروم فلم يكن أمرهم أفضل حالاً من الناس من الفرس، فعلى الرغم من كونهم أهل كتاب على دين عيسى عليه السلام غير أنهم انحرفوا عن عقيدته الصحيحة، وحرفوا وبدلوا ما جاء به من الحق، وكانت دولتهم غارقة فى الانحلال، حيث حياة التبذل والانحطاط، والظلم الاقتصادى من جراء الضرائب الكثيرة، إضافة إلى الروح الاستعمارية، وخلافهم مع نصارى الشام ومصر، واعتمادهم على قوتهم العسكرية.
أما اليونان وشعوب أوربا فقد كانت تعيش حياة بربرية، تعبد الأوثان وتقدس قوى الطبيعة، فضلاً عن كونها غارقة فى الخرافات والأساطير الكلامية التى لا تفيد فى دين ولا دنيا، وانتشرت علوم الفلسفة والسفسطة والجدل وحوارات الزندقة وغير ذلك.
أما بقية الشعوب فى الهند والصين واليابان والتبت فكانت تدين بالبوذية، وهى ديانة وثنية تتخذ آلهتها من الأصنام الكثيرة، فتقيم لها المعابد، وتؤمن بتناسخ الأرواح، وإلى جانب تلك الأمم كان هناك بعض اليهود الذين انتشروا فى عدة مناطق، وكانوا مشتتين ما بين بلاد الشام والعراق والحجاز، وقد حرفوا دين موسى عليه السلام فجعلوا الله سبحانه وتعالى إلهًا خاصًّا بهم وحدهم، وافتروا الحكايات الكاذبة والمخالفة على أنبيائهم، مما شوه سمعتهم، وأحلوا التعامل مع غيرهم بالربا والغش والفحش وحرموه بينهم، فهم أهل إفساد فى الأرض كما وصفهم رب العالمين.





يتبع بإذن الله









نسيم السُنة 31-05-12 06:52 AM











في رحـــاب الحُبّ النبويّ

هل من حنفاء في بلاد العرب قبل البعثة النبوية .؟

إن الجواب على هذا السؤال الملح هو-مع الأسف-أنه لم يكن في بلاد العرب في هذه الظروف حنفاء يؤمنون بالله وحده ويعبدونه بما شرع مخلصين له في ذلك، اللهم إلا ما كان من زيد بن عمرو بن نُفيل الذي قال فيه رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-:" إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده " .فقد كان ينكر أعمال أهل الجاهلية، ويُصرّح ببطلان دين قريش، ويقول لهم: والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري. وقال محمد بن إسحاق: لقد حدثت أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعمر بن الخطاب قالا لرسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: أنستغفر لزيد بن عمرو بن نفيل؟ قال:" نعم، فإنه يبعث أمة وحده" . وقد مات زيد قبل بعثة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-. ومصداق هذا في حديث مسلم إذ قال رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-:"إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب" فهذا الحديث دليل واضح أنه ما بعث النبي الحبيب محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- وفي العرب رجل واحد على دين صحيح يعبد به الله –تعالى-. أما اليهود، والنصارى ففيهم بقايا يعبدون الله –تعالى- بدين صحيح من دين موسى وعيسى-عليها السلام- لكنهم قليل جداً لا يتم على أيديهم هداية الناس وإصلاحهم. وأما ورقة بن نوفل فقد دان بالنصرانية، ومات قبل بدء الدعوة الإسلامية كما أن عبيد الله بن جحش بن رئاب و إن أسلم في أول الأمر؛ لأنه حضر البعثة المحمدية إلا أنه ترك الإسلام وتنصر في الحبشة كما هاجر إليها مع من هاجر من المسلمين، وخلف زوجته أم حبيبه بنت أبي سفيان فتزوجها رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- رحمة بها وأناب عنه في عقد نكاحها أصحم النجاشي ملك الحبشة -رحمه الله تعالى-. وأما عثمان بن الحويرث فقد قدم الشام وتنصر وكانت له منزلة عند قيصر ملك الروم النصراني. فهولاء الرجال الأربعة الذين كانوا قد أنكروا على قريش عبادة الأوثان، وكانوا يُصَرِّحوُن بأنهم على دين إبراهيم-عليه السلام- إلا أنهم في آخر الأمر ماتوا على غير الحنيفية إلا ما كان من زيد بن عمرو بن نُفيل وورقة بن نوفل. ويؤكد ذلك إذن النبي –صلى الله عليه وسلم- لولد زيد بن عمرو بن نفيل وعمر بن الخطاب بالاستغفار له، وأخبر أنه يبعث يوم القيامة أمة وحده.

نتائج وعبر:

1.بيان أن الناس عرباً وعجماً قد ضلوا سواء السبيل، واستوجبوا مقت الله–تعالى-لهم، اللهم إلى أفراداً قلائل من أهل الكتابين اليهود والنصارى فإنهم بقوا يعبدون الله –تعالى- بما شرع على ألسنة رسله حتى بُعِثَ النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- الخاتم الحبيب محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-، وهم قليل.
2.بيان أن العرب لم يبق منهم رجل واحد على دين الله الذي أرسل الله به إبراهيم والأنبياء من قبل ومن بعد يعبد الله –تعالى- بما شرع ويوحده في عبادته؛ لأن زيد بن عمرو بن نفيل وإن كان موحداً إلا أنه لم يكن له شرع يعبد الله –تعالى- به هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنه قد مات قبل البعثة المحمدية.
3.حال الناس هذه في ضلالهم وعدم هدايتهم كانت مستوجبة للبعثة المحمدية متطلبة لها بل كانت حاجتها الملحة التي لا بد منها.
هذه هي حالة العالم قبل الإسلام، فلك أن تقارن بينها وبين ما هي عليه بعد الإسلام. فاللهم لك الحمد على نعمة الإسلام, وعلى نعمة القرآن, وعلى نعمة محمد نبي الإسلام، اللهم.

الحمد لك يا ربنا أن هديتنا للإسلام، والحمد لك يا ربنا أن جعلتنا من أمة محمد-صلى الله عليه وسلم-، والحمد لك يا ربنا أن هديتنا للقرآن.
فالحمد لك أولاً وآخراً وظاهراً وباطنا. وصلى الله وسلم على نبينا وحبيبنا وقائدنا ومعلمنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.




يتبع بإذن الله









نسيم السُنة 31-05-12 06:54 AM








في رحـــاب الحُبّ النبويّ

بمناسبة ذكر الدين الذي كان عليه العرب العدنانيون قبل الإسلام وهو الوثنيّة يحسن ذكر نبذة عن الديانتين النصرانية واليهودية في بلاد العرب جنوباً وشمالاً، لِيعْلم القارئ بكامل الحال التي كان عليها الناس في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، وليعلم أنَّ الإسلام كان حاجة الناس في تلك البلاد كما هو حاجة كل الناس وفي كل ديارهم أمس واليوم وغداً، إذ لا كمالَ لإنسان ولا سعادة إلا به وعليه. يروي ابن إسحاق حديث وهب بن منبّه في دخول النصرانية إلى نجران جنوب مكة من بلاد اليمن فيقول: إن رجلاً يُقال له فيُمِيُون من أهل الشام، كان على دين المسيح-عليه السلام-، وكان صالحاً، ورزقه الله كرامات، فأحبه رجل من أهل البلاد، يُقال له صالح ولازمه. ولما عرف فيميون بالصلاح وظهور الكرامات خرج مع ذلك الرجل الذي أحبه فدخلا بلاد العرب فعدوا عليهما وباعوهما عبدين في مدينة نجران. وأهل نجران يومئذ على دين العرب وهو الوثنيّة، وكانت لهم نخلة يعبدونها فجعلوا لها عيداً سنوياً يأتونها فيه فيعلقون عليها أجمل الثياب، و حُلى النساء، واشترى فيميون أحد أشراف نجران، وكان فيميون إذا قام من الليل يتهجّد أشرق له البيت نوراً. فعجب سيده من هذه الكرامة، فسأله عن دينه، فأخبره بأنه على دين المسيح، وأعلمه أن ما عليه أهل نجران هو الباطل، كما أعلمه أن الله–تعالى- هو الإله الحق، وأن هذه النخلة لا تنفع ولا تضر، وأنه لو دعا الله–تعالى-عليها لأسقطها، وفعلاً دعا الله –تعالى- فعصفت بها عاصفة فاقتلعتها من جذورها. ولذلك آمن الرجل الشريف بدين المسيح، وتبعه آخرون، فكان هذا مبدأ دخول دين المسيح في نجران، ثم بمرور الزمان طرأ عليهم ما طرأ من البدع والتحريف لدين المسيح حتى أصبحت نصرانية ضالّة كما هي في سائر البلاد. ومما يذكر هنا أن عبد الله بن الثامر وكان على دين المسيح كان له أثرٌ كبيرٌ في نشر المسيحية في نجران بعد العبد الصالح فيميون. وكان من أمر ابن الثامر أنه لما انتشرت المسيحية بين الناس دعاه ملك البلاد وقال له: أفسدت عليّ أهل قريتي وخالفت ديني ودين آبائي لأُمثّلنّ بك وجعل يعرضه لكل ألوان التعذيب، والقتل ولم يقدر على قتله، فقال له ابن الثامر: إنك لا تقدر على قتلي حتى توحِّد الله –تعالى-، ففعل الملك وضرب ابن الثامر فقتله، ثم مات الملك على الفور إلى جنبه، وبذلك استجمع أهل نجران على الدين المسيحي، ثم أصابهم ما أصاب غيرهم من البدع والفساد، فكان هذا أصل النصرانية في نجران. ولما ملك ذو نواس الحميري، وكان قد دان باليهودية، ووجد أهل نجران على المسيحية فدعاهم إلى دينه فأبوا عليه، فحفر لهم الأخاديد، وأحرق عدداً كبيراً منهم بالنار ليرجعوا على دينهم، فلم يرجعوا وهم الذين ذكر –تعالى- في سورة البروج، وحدّث عنهم رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-، ثم إن رجلاً يقال له: دوسٌ قد نجا من الحريق، وذهب إلى ملك الروم، فاستعداه على ذي نواس الذي قتل النصارى من أهل دينه، فكتب له كتاباً إلى ملك الحبشة حيث هو على دين النصارى، فأعطاه جيشاً قوامه سبعون ألفاً، غزا به ذا نواس، فهزموه، ودخلوا البلاد وحكموها بعد موت ذي نواس، وكان على رأس الجيش الحبشي أرباط وأبرهة فتنازعا الملك وغلب أبرهة أرياط وقتله. وأصبح أبرهة الحاكم العام في البلاد، وملك الحبشة يدعمه ويشد من أزره.


أما اليهودية : فإنها لم تدم طويلاً في بلاد اليمن، وسبب ذلك أن تُبّعاً ذا نواس لما دخل المدينة خرج معه حبران من أحبار اليهود وهما اللذان دعواه إلى اليهودية فقبِلَهَا ودان بها، وعذب نصارى نجران كما تقدم، وانتهى ملكه بموته على يد أرياط وأبرهة الحبشيين. إلا أن اليهودية كانت بشمال الجزيرة بفَدَك, وتيما, وخيبر, والمدينة, التي كانت تسمى يثرب، ودخول اليهود إلى الحجاز من أرض الجزيرة هو لسبب الضغط الذي أصابهم من ملوك الروم بعد بختنصر هذا من جهة، ومن جهة أخرى تطلعهم إلى النبي المُبشر به في التوراة والإنجيل، وأنه يخرج من جبال فاران، وأن مهاجرة يثرب ذات النخيل، والأرض السبخة، فنزلوا ديار الحجاز الشمالية رجاء أن يبعث نبي آخر الزمان فيؤمنوا به ويقاتلوا أعداءهم معه ويستردوا مُلكهم المسلوب منهم من عدة قرون. مع العلم أن اليهود كالنصارى قد فسد معتقدهم وضاعت شريعتهم تحت تأثير التأويل للنصوص وتحريفها وتغييرها وتبديلها لتوافق الأهواء والأطماع الخاصة والشهوات العارمة، فما أصبحت اليهودية ولا النصرانية تزكي النفوس، ولا تصلح القلوب، ولا تهذب الأخلاق بعد فسادها، فحاجة أهل الملتين إلى الإسلام كحاجة غيرهم من المجوس والوثنيين. وقد كان اليهود يستفتحون على مشركي العرب يقولون لهم: إن نبياً قد أظل زمانه، ويوم يظهر نؤمن به ونُقاتلكم معه، وقد نزل بقولهم هذا القرآن العظيم في سورة البقرة بقوله تعالى:{ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ} (89) سورة البقرة.

نتائج وعبر:
1.لم تكن النصرانية ولا اليهودية في بلاد العرب ذات شأن يذكر؛ إذ الوثنية هي الغالبة.
2.الفترة التي كانت النصرانية في نجران سليمة في معتقداتها وشرائعها كانت قصيرة جداً، ولذا لم يُقدَّر لها أن تنتشر في بلاد العرب، ثم ما لبثت أن دخلها الفساد، فلم تكن صالحة للهداية والإصلاح.
3.اليهودية ما دخلت بلاد العرب إلا بعد فسادها، فلذا لن ينتفع بها أهلها في دار هجرتهم فضلاً عن العرب الذين نزحوا إليهم وسكنوا ديارهم.
4.نظراً لفساد الديانتين السماويتين اليهودية والنصرانية، وفساد المجوسية والوثنية بالأصالة، فإن حال الناس تتطلب ديناً سماوياً جديداً تكمل عليه الأرواح، وتزكو وتُهُذب به الأخلاق، وتحقق به الناسُ السعادةَ والكمالَ في الدنيا والآخرة.




يتبع بإذن الله









نسيم السُنة 31-05-12 07:15 AM



في رحـــاب الحُبّ النبويّ


العرب , الأرض والشعب , الحكم والإقتصاد , والديانة


موقع العرب وأقوامها
إن السيرة النبوية ـ على صاحبها الصلاة والسلام ـ هي في الحقيقة عبارة عن الرسالة التي حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المجتمع البشرى قولًا وفعلًا، وتوجيها وسلوكًا، وقلب بها موازين الحياة، فبدل مكان السيئة الحسنة، وأخرج بها الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله ، حتى عدل خط التاريخ وَغيَّر مجرى الحياة في العالم الإنساني، ولا يتم إحضار هذه الصورة الرائعة إلا بعد المقارنة بين البيئة التي سبقت هذه الرسالة وبين ما آلت إليه بعدها‏.‏

وهذا يقتضي تقديم فصول موجزة عن أقوام العرب وتطوراتها قبل الإسلام، وعن تاريخ الحكومات والإمارات والنظم القبلية التي كانت سائدة في ذلك الزمان، مع صور من الديانات والمِلَل والنِّحَل والعادات والتقاليد، والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية‏.‏

وقد خصصنا لكل من ذلك هذا الباب، وإليكم تلك الفصول‏:‏

موقع العرب

كلمة العرب تنبيء عن الصحارى والقِفَار، والأرض المُجْدِبة التي لا ماء فيها ولا نبات‏.‏ وقد أطلق هذا اللفظ منذ أقدم العصور على جزيرة العرب، كما أطلق على قوم قَطَنُوا تلك الأرض واتخذوها موطنا لهم‏.‏

وجزيرة العرب يحدها غربًا البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء، وشرقًا الخليج العربى وجزء من بلاد العراق الجنوبية، وجنوبًا بحر العرب الذي هو امتداد لبحر الهند، وشمالًا بلاد الشام وجزء من بلاد العراق، على اختلاف في بعض هذه الحدود، وتقدر مساحتها ما بين مليون ميل مربع إلى مليون وثلاثمائة ألف ميل مربع‏.‏

ولجزيرة العرب أهمية بالغة من حيث موقعها الطبيعي والجغرافي؛ فإنها في وضعها الداخلي محاطة بالصحاري والرمال من كل جانب؛ ولأجل هذا الوضع صارت الجزيرة حصنًا منيعًا لم يستطع الأجانب أن يحتلوها ويبسطوا عليها سيطرتهم ونفوذهم‏.‏ ولذلك نرى سكان الجزيرة أحرارًا في جميع الشئون منذ أقدم العصور، مع أنهم كانوا مجاورين لإمبراطوريتين عظيمتين لم يكونوا يستطيعون دفع هجماتهما لولا هذا السد المنيع‏.‏

وأما بالنسبة إلى الخارج فإنها تقع بين القارات المعروفة في العالم القديم، وتلتقى به برًا وبحرًا، فإن ناحيتها الشمالية الغربية باب للدخول في قارة إفريقية، وناحيتها الشمالية الشرقية مفتاح لقارة أوربا، والناحية الشرقية تفتح أبواب العجم؛ ومن ثم آسيا الوسطى وجنوبها والشرق البعيد، وكذلك تلتقي كل قارة بالجزيرة بحرًا، وترسى سفنها وبواخرها على ميناء الجزيرة رأسًا‏.‏
ولأجل هذا الوضع الجغرافي كان شمال الجزيرة وجنوبها موئلًا للأمم، ومركزًا لتبادل التجارة، والثقافة، والديانة، والفنون‏.‏


( الصبر بارك الله فيكم الموضوع شيق ونسأل الله أن ينفع به )
تنويه : سوف يتم ذكر المراجع في الختام إن كنا من الأحياء




يتبع بإذن الله


نسيم السُنة 31-05-12 08:07 AM



في رحـــاب الحُبّ النبويّ


أقوام العرب
وأما أقوام العرب فقد قسمها المؤرخون إلى ثلاثة أقسام؛ بحسب السلالات التي ينحدرون منها‏:‏

1 ـ العرب البائدة‏:‏ وهم العرب القدامى الذين انقرضوا تمامًا ولم يمكن الحصول على تفاصيل كافية عن تاريخهم، مثل‏:‏ عاد، وثمود، وطَسْم، وجَدِيس، وعِمْلاق، وأُمَيْم، وجُرْهُم، وحَضُور، ووَبـَـار، وعَبِيل، وجاسم، وحَضْرَمَوت، وغيرها‏.‏

2 ـ العرب العاربة‏:‏ وهم العرب المنحدرة من صلب يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطان، وتسمى بالعرب القحطانية‏.‏

3 ـ العرب المستعربة‏:‏ وهي العرب المنحدرة من صلب إسماعيل عليه السلام، وتسمى بالعرب العدنانية‏.‏

أما العرب العاربة ـ وهي شعب قحطان ـ فمَهْدُها بلاد اليمن، وقد تشعبت قبائلها وبطونها من ولد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان‏.‏ فاشتهرت منها قبيلتان‏:‏ حِمْيَر بن سبأ، وكَهْلان بن سبأ، وأما بقية بنى سبأ ـ وهـم أحد عشر أو أربعة عشر بطنًا ـ فيقال لهم‏:‏ السبئيون، وليست لهم قبائل دون سبأ‏.‏

أ ـ فأما حمير فأشهر بطونها‏:‏

1 ـ قُضَاعة‏:‏ ومنها بَهْراء وَبِلىٌّ والقَيْن وكَلْب وعُذْرَة ووَبَرَة‏.‏

2 ـ السَّكاسِك‏:‏ وهـم بنو زيـد بـن وائلة بن حمير، ولقب زيد‏:‏ السكاسك، وهي غير سكاسك كِنْدة الآتية في بنى كَهْلان‏.‏

3 ـ زيد الجمهور‏:‏ ومنها حمير الأصغر، وسبأ الأصغر، وحضور، وذو أصبح‏.‏

ب ـ وأما كَهْلان فأشهر بطونها‏:‏

هَمْدان، وألْهَان، والأشْعَر، وطيئ، ومَذْحِج ‏(‏ومن مذحج‏:‏ عَنْس والنَّخْع)‏، ولَخْم ‏(‏ومن لخم‏:‏ كندة، ومن كندة‏:‏ بنو معاوية والسَّكُون والسكاسك)‏، وجُذَام، وعاملة، وخَوْلان، ومَعَافِر، وأنمار ‏(‏ومن أنمار‏:‏ خَثْعَم وبَجِيلَةَ، ومن بجيلة‏:‏ أحْمَس)‏ والأزْد، ‏(‏ومن الأزد‏:‏ الأوس، والخزرج، وخُزَاعة، وأولاد جَفْنَة ملوك الشام المعروفون بآل غسان‏).‏

وهاجرت بنو كهلان عن اليمن، وانتشرت في أنحاء الجزيرة، يقال‏:‏ كانت هجرة معظمهم قبيل سَيْل العَرِم حين فشلت تجارتهم لضغط الرومان وسيطرتهم على طريق التجارة البحرية، وإفسادهم طريق البر بعد احتلالهم بلاد مصر والشام‏.‏

ويقال‏:‏ بل إنهم هاجروا بعد السيل حين هلك الحرث والنسل بعد أن كانت التجارة قد فشلت، وكانوا قد فقدوا كل وسائل العيش، ويؤيده سياق القرآن: ‏{‏لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ‏}‏ ‏(‏سورة سبأ‏:‏15‏:‏ 19)‏

ولا غرو إن كانت هناك ـ عدا ما تقدم ـ منافسة بين بطون كهلان وبطون حمير أدت إلى جلاء كهلان، فقد يشير إلى هذا بقاء حمير مع جلاء كهلان‏.‏
ويمكن تقسيم المهاجرين من بطون كهلان إلى أربعة أقسام‏:‏
1 ـ الأزْد‏:‏

وكانت هجرتهم على رأى سيدهم وكبيرهم عمران بن عمرو مُزَيْقِياء، فساروا يتنقلون في بلاد اليمن ويرسلون الرواد، ثم ساروا بعد ذلك إلى الشمال والشرق‏.‏ وهاك تفصيل الأماكن التي سكنوا فيها بعد الرحلة نهائيًا‏:‏

نزل عمران بن عمرو في عُمَان، واستوطنها هو وبنوه، وهم أزْد عُمَان‏.‏

واستوطنت بنو نصر بن الأزد تُهامة، وهم أزد شَنُوءة‏.‏

وعَطَف ثَعْلَبة بن عمرو مزيقياء نحو الحجاز، فأقام بين الثعلبية وذى قار، ولما كبر ولده وقوى ركنه سار نحو المدينة، فأقام بها واستوطنها، ومن أبناء ثعلبة هذا‏:‏ الأوس والخزرج، ابنا حارثة بن ثعلبة‏.‏

وتنقل منهم حارثة بن عمرو ـ وهو خزاعة ـ وبنوه في ربوع الحجاز، حتى نزلوا بمر الظهران، ثم افتتحوا الحرم فقطنوا مكة وأجلوا سكانها الجراهمة‏.‏

وسار جَفْنَة بن عمرو إلى الشام فأقام بها هو وبنوه، وهو أبو الملوك الغساسنة؛ نسبة إلى ماء في الحجاز يعرف بغسان، كانوا قد نزلوا بها أولًا قبل انتقالهم إلى الشام‏.‏

وانضمت البطون الصغيرة إلى هذه القبائل في الهجرة إلى الحجاز والشام، مثل كعب بن عمرو، والحارث بن عمرو، وعوف بن عمرو‏.‏

2 ـ لَخْم وجُذَام‏:‏

انتقلوا إلى الشرق والشمال، وكان في اللخميين نصر بن ربيعة أبو الملوك المناذرة بالحيرة‏.‏

3 ـ بنو طَيِّئ‏:‏

ساروا بعد مسير الأزد نحو الشمال حتى نزلوا بالجبلين أجأ وسلمى، وأقاموا هناك، حتى عرف الجبلان بجبلى طيئ‏.‏

4 ـ كِنْدة‏:‏

نزلوا بالبحرين، ثم اضطروا إلى مغادرتها فنزلوا بـ‏ (‏حضرموت)‏، ولاقوا هناك ما لاقوا بالبحرين، ثم نزلوا نجدًا، وكونوا هناك دولة كبيرة الشأن، ولكنها سرعان ما فنيت وذهبت آثارها‏.‏

وهناك قبيلة من حمير مع اختلاف في نسبتها إليه ـ وهي قضاعة ـ هجرت اليمن واستوطنت بادية السماوة من مشارف العراق، واستوطن بعض بطونها مشارف الشام وشمالي الحجاز‏.‏

وأما العرب المستعربة، فأصل جدهم الأعلى ـ وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام ـ من بلاد العراق، من مدينة يقال لها‏:‏ ‏(‏أر)‏ على الشاطئ الغربي من نهر الفرات، بالقرب من الكوفة، وقد جاءت الحفريات والتنقيبات بتفاصيل واسعة عن هذه المدينة، وعن أسرة إبراهيم عليه السلام، وعن الأحوال الدينية والاجتماعية في تلك البلاد‏.‏

ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام هاجر منها إلى حاران أو حَرَّان، ومنها إلى فلسطين، فاتخذها قاعدة لدعوته، وكانت له جولات في أرجائها وأرجاء غيرها من البلاد، وفي إحدى هذه الجولات أتى إبراهيم عليه السلام على جبار من الجبابرة، ومعه زوجته سارة، وكانت من أحسن النساء، فأراد ذلك الجبار أن يكيد بها، ولكن سارة دعت الله تعالى عليه فرد الله كيده في نحره، وعرف الظالم أن سارة امرأة صالحة ذات مرتبة عالية عند الله ، فأخدمها هاجر اعترافًا بفضلها، أو خوفًا من عذاب الله ، ووهبتها سارة لإبراهيم عليه السلام‏.‏

ورجع إبراهيم عليه السلام إلى قاعدته في فلسطين، ثم رزقه الله تعالى من هاجر ابنه إسماعيل، وصار سببًا لغيرة سارة حتى ألجأت إبراهيم إلى نفي هاجر مع ولدها الرضيع ـ إسماعيل ـ فقدم بهما إبراهيم عليه السلام إلى الحجاز، وأسكنهما بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم الذي لم يكن إذ ذاك إلا مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فوضعهما عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ورجع إلى فلسطين، ولم تمض أيام حتى نفد الزاد والماء، وهناك تفجرت بئر زمزم بفضل الله ، فصارت لهما قوتا وبلاغًا إلى حين‏.‏ والقصة معروفة بطولها‏.‏

وجاءت قبيلة يمانية ـ وهي جُرْهُم الثانية ـ فقطنت مكة بإذن من أم إسماعيل‏.‏ يقال‏:‏ إنهم كانوا قبل ذلك في الأودية التي بأطراف مكة، وقد صرحت رواية البخاري أنهم نزلوا مكة بعد إسماعيل، وقبل أن يشب، وأنهم كانوا يمرون بهذا الوادى قبل ذلك‏.‏

وكان إبراهيم عليه السلام يرتحل إلى مكة ليطالع تركته بها، ولا يعلم بالضبط عدد هذه الرحلات، إلا أن المصادر المعتمدة حفظت لنا أربعة منها‏:‏

1 ـ فقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أنه أرى إبراهيم في المنام أنه يذبح إسماعيل، فقام بامتثال هذا الأمر‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ‏}‏ ‏(‏الصافات‏:‏103‏:‏ 107)‏

وقد ذكر في سِفْر التكوين أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، وسياق القصة يدل على أنها وقعت قبل ميلاد إسحاق؛ لأن البشارة بإسحاق ذكرت بعد سرد القصة بتمامها‏.‏

وهذه القصة تتضمن رحلة واحدة ـ على الأقل ـ قبل أن يشب إسماعيل، أما الرحلات الثلاث الأخر فقد رواها البخاري بطولها عن ابن عباس مرفوعًا، وملخصها‏:‏

أن إسماعيل عليه السلام لما شب وتعلم العربية من جُرْهُم، وأنفسهم وأعجبهم زوجوه امرأة منهم، وماتت أمـه، وبدا لإبراهيم أن يطالع تركته، فجاء بعد هذا الزواج، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه وعن أحوالهما، فشكت إليه ضيق العيش فأوصاها أن تقول لإسماعيل أن يغير عتبة بابه، وفهم إسماعيل ما أراد أبوه، فطلق امرأته تلك وتزوج امرأة أخرى ‏(‏وهي ابنة مُضَاض بن عمرو، كبير جرهم وسيدهم على قول الأكثر‏).‏

3 ـ وجاء إبراهيم عليه السلام مرة أخرى بعد أن تزوج إسماعيل هذه الزوجة الثانية، فلم يجده فرجع إلى فلسطين بعد أن سأل زوجته عنه وعن أحوالهما، فأثنت على الله بخير، فأوصى إلى إسماعيل أن يُثَبِّتَ عَتَبَة بابه‏.‏

4 ـ ثم جاء إبراهيم عليه السلام بعد ذلك فلقى إسماعيل، وهو يَبْرِى نَبْلا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، وكان لقاؤهما بعد فترة طويلة من الزمن، قلما يصبر فيها الأب الكبير الأواه العطوف عن ولده، والوالد البار الصالح الرشيد عن أبيه، وفي هذه المرة بنيا الكعبة، ورفعا قواعدها، وأذَّن إبراهيم في الناس بالحج كما أمره الله ‏.‏

وقد رزق الله إسماعيل من ابنة مُضَاض اثنى عشر ولدًا ذكرًا،وهم‏:‏ نابت أو نبايوط،وقَيْدار، وأدبائيل، ومِِبْشام، ومِشْماع، ودوما، ومِيشا، وحدد، وتيما، ويَطُور، ونَفيس، وقَيْدُمان‏.‏

وتشعبت من هؤلاء اثنتا عشرة قبيلة، سكنت كلها في مكة مدة من الزمان، وكانت جل معيشتهم إذ ذاك التجارة من بلاد اليمن إلى بلاد الشام ومصر، ثم انتشرت هذه القبائل في أرجاء الجزيرة بل وإلى خارجها، ثم أدرجت أحوالهم في غياهب الزمان، إلا أولاد نابت وقيدار‏.‏

وقد ازدهرت حضارة الأنباط ـ أبْناء نابت ـ في شمال الحجاز، وكونوا دولة قوية عاصمتها البتراء ـ المدينة الأثرية القديمة المعروفة في جنوب الأردن، وقد دان لهذه الدولة النبطية من بأطرافها، ولم يستطع أحد أن يناوئها حتى جاء الرومان وقضوا عليها‏.‏

وقد جنحت طائفة من المحققين من أهل العلم بالأنساب إلى أن ملوك آل غسان وكذا الأنصار من الأوس والخزرج إنما كانوا من آل نابت بن إسماعيل، وبقاياهم في تلك الديار‏.‏

وإليه مال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه، فقد عقد بابًا عنوانه‏:‏ ‏(‏نسبة اليمن إلى إسماعيل عليه السلام)‏، واستدل عليه ببعض الأحاديث، ورجح الحافظ ابن حجر في شرحه أن قحطان من آل نابت بن إسماعيل عليه السلام‏.‏

وأما قيدار بن إسماعيل فلم يزل أبناؤه بمكة، يتناسلون هناك حتى كان منه عدنان وولده مَعَدّ، ومنه حفظت العرب العدنانية أنسابها‏.‏ وعدنان هو الجد الحادى والعشرون في سلسة النسب النبوى، وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا انتسب فبلغ عدنان يمسك ويقول‏:‏( ‏كذب النسابون‏ )‏، فلا يتجاوزه، وذهب جمع من العلماء إلى جواز رفع النسب فوق عدنان؛ مضعفين للحديث المشار إليه، ولكنهم اختلفوا في هذا الجزء من النسب اختلافا لا يمكن الجمع بين أقوالهم، وقد مال المحقق الكبير العلامة القاضى محمد سليمان المنصورفورى ـ رحمه الله ـ إلى ترجيح ما ذكره ابن سعد ـ والذي ذكره الطبرى والمسعودى وغيرهما في جملة الأقوال ـ وهو أن بين عدنان وبين إبراهيم عليه السلام أربعين أبا بالتحقيق الدقيق‏.‏ وسيأتى‏.‏

وقد تفرقت بطون مَعَدّ من ولده نَزَار ـ قيل‏:‏ لم يكن لمعد ولد غيره ـ فكان لنزار أربعة أولاد، تشعبت منهم أربعة قبائل عظيمة‏:‏ إياد وأنمار وربيعة ومُضَر، وهذان الأخيران هما اللذان كثرت بطونهما واتسعت أفخاذهما، فكان من ربيعة‏:‏ ضُبَيْعَة وأسد، ومن أسد‏:‏ عَنْزَة وجَدِيلة، ومن جديلة‏:‏ القبائل الكثيرة المشهورة مثل‏:‏ عبد القيس، والنَّمِر، وبنو
وائل الذين منهم بكر وتَغْلِب، ومن بنى بكر‏:‏ بنو قيس وبنو شيبان وبنو حنيفة وغيرها‏.‏ أما عنزة فمنها آل سعود ملوك المملكة العربية السعودية في هذا الزمان‏.‏
وتشعبت قبائل مضر إلى شعبتين عظيمتين‏:‏ قَيْس عَيْلان بن مضر، وبطون إلياس ابن مضر، فمن قيس عيلان‏:‏ بنو سليم، وبنو هوازن، وبنو ثقيف، وبنو صَعْصَعَة، وبنو غَطَفان‏.‏ ومن غطفان‏:‏ عَبْس، وذُبْيان، وأشْجَع،وأعْصُر‏.‏

ومن إلياس بن مُضَر‏:‏ تميم بن مرة، وهُذَيْل بن مُدرِكة، وبنو أسد بن خزيمة، وبطون كنانة بن خزيمة، ومن كنانة قريش، وهم أولاد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة‏.‏

وانقسمت قريش إلى قبائل شتى، من أشهرها‏:‏ جُمَح وسَهْم وعَدِىّ ومخزوم وتَيْم وزُهْرَة، وبطون قُصَىّ بن كلاب، وهي‏:‏ عبد الدار بن قصى،وأسد بن عبد العزى بن قصى، وعبد مناف بن قصى‏.‏

وكان من عبد مناف أربع فصائل‏:‏ عبد شمس، ونَوْفَل، والمطلب، وهاشم، وبيت هاشم هو الذي اصطفي الله منه سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله اصطفي من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفي من ولد إسماعيل بنى كنانة، واصطفي من بنى كنانة قريشًا، واصطفي من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم‏)‏‏.‏

وعن العباس بن عبد المطلب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين، ثم تخير القبائل، فجعلني من خير القبيلة، ثم تخير البيوت، فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا‏)‏‏.‏ وفي لفظ عنه‏:‏ ‏(‏إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا وخيرهم نفسًا‏)‏‏.‏

ولما تكاثر أولاد عدنان تفرقوا في أنحاء شتى من بلاد العرب متتبعين مواقع القطر ومنابت العشب‏.‏

فهاجرت عبد القيس، وبطون من بكر بن وائل، وبطون من تميم إلى البحرين فأقاموا بها‏.‏

وخرجت بنو حنيفة بن على بن بكر إلى اليمامة فنزلوا بحُجْر، قَصَبة اليمامة، وأقامت سائر بكر بن وائل في طول الأرض من اليمامة إلى البحرين إلى سيف كاظمة إلى البحر، فأطراف سواد العراق فالأُبُلّةُ فَهِيت‏.‏

وأقامت تغلب بالجزيرة الفراتية، ومنها بطون كانت تساكن بَكْرًا‏.‏وسكنت بنو تميم ببادية البصرة‏.‏

وأقامت بنو سليم بالقرب من المدينة، من وادي القرى إلى خيبر إلى شرقي المدينة إلى حد الجبلين، إلى ما ينتهي إلى الحرة‏.‏

وسكنت بنو أسد شرقي تيماء وغربي الكوفة، بينهم وبين تيماء ديار بُحْتُرٍ من طيئ، وبينهم وبين الكوفة خمس ليال‏.‏

وسكنت ذبيان بالقرب من تيماء إلى حوران، وبقى بتهامة بطون كنانة، وأقام بمكة وضواحيها بطون قريش، وكانوا متفرقين لا تجمعهم جامعة حتى نبغ فيهم قصيِّ ابن كلاب، فجمعهم، وكون لهم وحدة شرفتهم ورفعت من أقدارهم‏.‏



يتبع بإذن الله


نسيم السُنة 31-05-12 05:51 PM



في رحـــاب الحُبّ النبويّ


سيرةٌ عطــــــــرة




الحكم والإمارة في العرب
الملك باليمن‏‏
الملك بالحيرة
الملك بالشام
الإمارة بالحجاز
الحكم في سائر العرب
الحالة السياسية

كان حكام جزيرة العرب عند ظهور دعوة النبي صلى الله عليه وسلم على قسمين‏:‏
1ـ ملوك مُتَوَّجُون ـ إلا أنهم في الحقيقة كانوا غير مستقلين‏.‏
2ـ رؤساء القبائل والعشائر ـ وكان لهم من الحكم والامتياز ما كان للملوك المتوجين، ومعظم هـؤلاء كانـوا على تمام الاستقلال، وربما كانت لبعضهم تبعية لملك متوج‏.‏
والملوك المتوجون هم‏:‏ ملوك اليمن، وملوك مشارف الشام ‏(‏وهم آل غسان)‏ وملوك الحيرة، وما عدا هؤلاء من حكام الجزيرة لم تكن لهم تيجان‏.‏ وفيما يلى موجز عن هؤلاء الملوك والرؤساء‏.

الملك باليمن‏‏
من أقدم الشعوب التي عرفت باليمن من العرب العاربة قوم سبأ، وقد عثر على ذكرهم في حفريات ‏(‏أور)‏ بخمس وعشرين قرنا قبل الميلاد، ويبدأ ازدهار حضارتهم ونفوذ سلطانهم وبسط سيطرتهم بأحد عشر قرنا قبل الميلاد‏.‏
ويمكن تقسيم أدوارهم حسب التقدير الآتى‏:‏

1 ـ ما بين 1300 إلى 620 ق‏.‏م
عرفت دولتهم في هذه الفترة بالدولة المعينية، ظهرت في الجَوْف؛ أى السهل الواقع بين نجران وحضرموت، ثم أخذت تنمو وتتسع وتسيطر وتزدهر حتى بلغ نفوذها السياسى إلى العُلا ومَعَان من شمالي الحجاز‏.‏
ويقال‏:‏ إن مستعمراتها وصلت إلى خارج بلاد العرب، وكانت التجارة هي صلب معيشتهم، ثم إنهم بنوا سد مأرب الذي له شأن كبير في تاريخ اليمن، والذي وفر لهم معظم خيرات الأرض، ‏{‏حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا‏}‏ ‏(‏ الفرقان‏:‏18)‏
وكان ملوكهم في هذه الفترة يلقبون بـ ‏(‏مكرب سبأ)‏ وكانت عاصمتهم مدينة ‏(‏صِرْوَاح)‏ التي توجد أنقاضها على بعد 50 كيلو مترًا إلى الشمال الغربي من مدينة ‏(‏مأرب)‏، وعلى بعد 142 كيلو مترًا شرقى صنعاء، وتعرف باسم ‏(‏خُرَيْبة‏).‏ ويقدر عدد هؤلاء الملوك ما بين 22 و 26 ملكًا‏.‏

2 ـ ما بين 620 ق‏.‏ م إلى سنة 115 ق‏.‏ م
وعرفت دولتهم في هذه الفترة بدولة سبأ، وقد تركوا لقب ‏(‏مكرب)‏ وعرفوا بـ‏(‏ملوك سبأ)‏، واتخذوا ‏(‏مأرب)‏ عاصمة لهم بدل ‏(‏صرواح)‏ وتوجد أنقاض مأرب على بعد 192 كيلو مترًا شرقي صنعاء‏.‏

3 ـ منذ سنة 115 ق‏.‏ م إلى سنة300 م
وعرفت الدولة في هذه الفترة بالدولة الحميرية الأولى؛ لأن قبيلة حمير غلبت واستقلت بمملكة سبأ، وقد عرف ملوكها بـ‏(‏ملوك سبأ وذى ريدان)‏، وهؤلاء الملوك اتخذوا مدينة ‏(‏ريدان)‏ عاصمة لهم بدل مدينة ‏(‏مأرب)‏، و تعرف ‏(‏ريدان)‏ باسم ظفار، وتوجد أنقاضها على جبل مدور بالقرب من ‏(‏يريم‏).‏ وفي هذا العهد بدأ فيهم السقوط والانحطاط، فقد فشلت تجارتهم إلى حد كبير لبسط الأنباط سيطرتهم على شمال الحجاز أولًا، ثم لغلبة الرومان على طريق التجارة البحرية بعد نفوذ سلطانهم على مصر وسوريا وشمالى الحجاز ثانيًا، ولتنافس القبائل فيما بينها ثالثًا‏.‏ وهذه العناصر هي التي سببت في تفرق آل قحطان وهجرتهم إلى البلاد الشاسعة‏.‏

4 ـ منذ سنة 300م إلى أن دخل الإسلام في اليمن
عرفت الدولة في هذه الفترة بالدولة الحميرية الثانية، وعرف ملوكها بـ‏(‏ملوك سبأ وذى ريدان وحضرمـوت ويمـنت)‏، وقد توالت على هذه الدولة الاضطرابات والحوادث، وتتابعت الانقلابات والحروب الأهلية التي جعلتها عرضة للأجانب حتى قضى على استقلالها‏.‏ ففي هذا العهد دخل الرومان في عدن، وبمعونتهم احتلت الأحباش اليمن لأول مرة سنة 340 م؛ مستغلين التنافس بين قبيلتى همدان وحمير، واستمر احتلالهم إلى سنة 378 م‏.‏ ثم نالت اليمن استقلالها، ولكن بدأت تقع الثلمات في سد مأرب، حتى وقع السيل العظيم الذي ذكره القرآن بسيل العرم في سنة 450م، أو 451 م‏.‏وكانت حادثة كبرى أدت إلى خراب العمران وتشتت الشعوب‏.‏
وفي سنة 523م قاد ذو نُوَاس اليهودى حملة منكرة على المسيحيين من أهل نجران، وحاول صرفهم عن المسيحية قسرًا، ولما أبوا خدّ لهم الأخدود وألقاهم في النيران، وهذا الذي أشـار إلـيه القـرآن في سـورة الـبروج بقـوله‏:‏ ‏{‏قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ‏}‏ الآيات ‏(‏ البروج‏:‏4‏).‏
وكان هذا الحادث هو السبب في نقمة النصرانية الناشطة إلى الفتح والتوسع تحت قيادة أباطرة الرومان من بلاد العرب، فقد حرضوا الأحباش، وهيأوا لهم الأسطول البحرى، فنزل سبعون ألف جندى من الحبشة، واحتلوا اليمن
مرة ثانية، بقيادة أرياط سنة 525 م، وظل أرياط حاكمًا من قبل ملك الحبشة حتى اغتاله أبرهة بن الصباح الأشرم ـ أحد قواد جيشه ـ سنة 549م، ونصب نفسه حاكمًا على اليمن بعد أن استرضى ملك الحبشة وأرضاه، وأبرهة هذا هو الذي جند الجنود لهدم الكعبة، وعرف هو وجنوده بأصحاب الفيل‏.‏وقد أهلكه الله بعد عودته إلى صنعاء عقب وقعة الفيل، فخلفه على اليمن ابنه يَكْسُوم، ثم الابن الثانى مسروق، وكانا ـ فيما يقال ـ شرا من أبيهما، وأخبث سيرة منه في اضطهاد أهل اليمن وقهرهم وإذلالهم‏.‏
أما أهل اليمن فإنهم بعد وقعة الفيل استنجدوا بالفرس، وقاموا بمقاومة الحبشة حتى أجلوهم عن البلاد، ونالوا الاستقلال في سنة 575 م بقيادة معديكرب سيف بن ذى يزن الحميرى، واتخذوه ملكًا لهم، وكان معديكرب أبقى معه جمعًا من الحبشة يخدمونه ويمشون في ركابه، فاغتالوه ذات يوم، وبموته انقطع الملك عن بيت ذى يزن، وصارت اليمن مستعمرة فارسية تتعاقب عليها ولاة من الفرس، وكان أولهم وهرز، ثم المرزبان بن وهرز، ثم ابنه التينجان، ثم خسرو بن التينجان، ثم باذان، وكان آخر ولاة الفرس، فإنه اعتنق الإسلام سنة 628م، وبإسلامه انتهي نفوذ فارس على بلاد اليمن‏.‏




يتبع بإذن الله


جارة المصطفى 31-05-12 11:50 PM

http://www.yanabeea.net/up_Words/5.gif

ابوعمار القاصدي 01-06-12 08:48 AM

جزاكم الله خير على هذا الجهد الذي تبذلونه

نسيم السُنة 03-06-12 11:18 PM



في رحـــاب الحُبّ النبويّ


سيرةٌ عطــــــــرة




الملك بالحيرة
كانت الفرس تحكم بلاد العراق وما جاورها منذ أن جمع شملهم قوروش الكبير ‏(‏557 ـ 529 ق‏.‏م ‏)‏ ولم يكن أحد يناوئهم، حتى قام الإسكندر المقدونى سنة 326 ق‏.‏ م فهزم ملكهم دارا وبددهم وخضد شوكتهم، حتى تجزأت بلادهم، وتولاها ملوك عرفوا بملوك الطوائف، وقد ظل هؤلاء الملوك يحكمون البلاد مجزأة إلى سنة 230م‏.‏ وفي عهد هؤلاء الملوك هاجر القحطانيون، واحتلوا جزءًا من ريف العراق، ثم لحقهم من هاجر من العدنانيين فزاحموهم حتى سكنوا جزءًا من الجزيرة الفراتية‏.‏
وأول من ملك من هؤلاء المهاجرين هو مالك بن فَهْم التَّنُوخى من آل قحطان، وكان منزله الأنبار، أو مما يلى الأنبار، وخلفه أخوه عمرو بن فهم في رواية‏.‏ وجَذِيمة بن مالك بن فهم ـ الملقب بالأبْرش والوَضَّاح ـ في رواية أخرى‏.‏
وعادت القوة مرة ثانية إلى الفرس في عهد أردشير بن بابك ـ مؤسس الدولة الساسانية سنة 226 م ـ فإنه جمع شمل الفرس، واستولى على العرب المقيمين على تخوم ملكه، وكان هذا سببا في رحيل قضاعة إلى الشام، ولكن دان له أهل الحيرة والأنبار‏.‏
وفي عهد أردشير كانت ولاية جذيمة الوضاح على الحيرة وسائر مَنْ ببادية العراق والجزيرة من ربيعة ومضر، وكأن أردشير رأى أنه يستحيل عليه أن يحكم العرب مباشرة، ويمنعهم من الإغارة على تخوم ملكه، إلا أن يملك عليهم رجلًا منهم له عصبية تؤيده وتمنعه، ومن جهة أخرى يمكنه الاستعانة بهم على ملوك الرومان الذين كان يتخوفهم، وليكون عرب العراق أمام عرب الشام الذين اصطنعهم ملوك الرومان، وكان يبقى عند ملك الحيرة كتيبة من جنود الفرس؛ ليستعين بها على الخارجين على سلطانه من عرب البادية، وكان موت جذيمة حوالى سنة 268 م‏.‏


وبعد موت جذيمة ولى الحيرة والأنبار عمرو بن عدى بن نصر اللخمى ‏(‏ 268ـ 288م)‏ وهو أول ملوك اللخميين، وأول من اتخذ الحيرة مقرًا له، وكان في عهد كسرى سابور بن أردشير، ثم لم يزل الملوك من اللخميين من بعده يتولون الحيرة حتى ولى الفرس قُبَاذ بن فيروز ‏(‏448ـ 531م)‏ وفي عهده ظهر مَزْدَك، وقام بالدعوة إلى الإباحية، فتبعه قباذ كما تبعه كثير من رعيته، ثم أرسل قباذ إلى ملك الحيرة ـ وهو المنذر بن ماء السماء ‏(‏512ـ 554 م)‏ ـ يدعوه إلى اختيار هذا المذهب الخبيث، فأبي عليه ذلك حمية وأنفة، فعزله قباذ، وولى بدله الحارث بن عمرو بن حجر الكندى بعد أن أجاب دعوته إلى المذهب المزدكى‏.‏
وخلف قباذ كسرى أنوشروان ‏(‏531ـ 578م)‏ وكان يكره هذا المذهب جدًا، فقتل المزدك وكثيرًا ممن دان بمذهبه، وأعاد المنذر إلى ولاية الحيرة، وطلب الحارث بن عمرو، لكنه أفلت إلى دار كلب، فلم يزل فيهم حتى مات‏.‏
واستمر الملك بعد المنذر بن ماء السماء في عقبه حتى كان النعمان بن المنذر ‏(‏583 ـ605 م)‏ فإنه غضب عليه كسرى بسبب وشاية دبرها زيد بن عدى العبادى، فأرسل كسرى إلى النعمان يطلبه، فخرج النعمان حتى نـزل سـرا عـلى هانئ بن مسعود سـيد آل شيبان، وأودعه أهله وماله، ثم توجه إلى كسرى، فحبسه كسرى حتى مات‏.‏ وولى على الحيرة بدله إياس بن قَبِيصة الطائى، وأمره أن يرسل إلى هانئ بن مسعود يطلب منه تسليم ما عنده، فأبي ذلك هانئ حمية، وآذن الملك بالحرب، ولم يلبث أن جاءته مرازبة كسرى وكتائبه في موكب إياس، ودارت بين الفريقين معركة هائلة عند ذى قار، انتصر فيها بنو شيبان وانهزمت الفرس هزيمة نكراء‏.‏ وهذا أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم، وهو بعد ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏
واختلف المؤرخون في تحديد زمن هذه المعركة، فقيل‏:‏ هو بعد ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بقليل، وأنه صلى الله عليه وسلم ولد لثمانية أشهر من ولاية إياس بن قبيصة على الحيرة‏.‏ وقيل‏:‏ قبل النبوة بقليل ـ وهو الأقرب‏.‏ وقيل‏:‏ بعد النبوة بقليل‏.‏ وقيل‏:‏ بعد الهجرة‏.‏ وقيل‏:‏ بعد بدر‏.‏ وقيل غير ذلك‏.‏
وولى كسرى على الحيرة بعد إياس حاكمًا فارسيًا اسمه آزادبه بن ماهبيان بن مهرابنداد، وظل يحكم 17 عاما‏(‏614ـ 631م)‏ ثم عاد الملك إلى آل لخم سنة 632م، فتولى منهم المنذر بن النعمان الملقب بالمعرور، ولكن لم تزد ولايته على ثمانية أشهر حتى قدم عليه خالد بن الوليد بعساكر المسلمين ‏.‏

الملك بالشام

في العهد الذي ماجت فيه العرب بهجرات القبائل سارت بطون من قضاعة إلى مشارف الشام وسكنت بها، وكانوا من بنى سُلَيْح بن حُلْوان الذين منهم بنو ضَجْعَم ابن سليح المعروفون باسم الضجاعمة، فاصطنعهم الرومان؛ ليمنعوا عرب البرية من العبث، وليكونوا عدة ضد الفرس، وولوا منهم ملكًا، ثم تعاقب الملك فيهم سنين، ومن أشهر ملوكهم زياد بن الهَبُولة، ويقدر زمنهم من أوائل القرن الثانى الميلادى إلى نهايته تقريبًا، وانتهت ولايتهم بعد قدوم آل غسان، الذين غلبوا الضجاعمة على ما بيدهم وانتصروا عليهم، فولتهم الروم ملوكًا على عرب الشام، وكانت قاعدتهم مدينة
بصرى، ولم تزل تتوالى الغساسنة على الشام بصفتهم عمالًا لملوك الروم حتى كانت وقعة اليرموك سنة 13هـ، وانقاد للإسلام آخر ملوكهم جَبَلَة بن الأيهم في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏

الإمارة بالحجاز

ولي إسماعيل عليه السلام زعامة مكة وولاية البيت طول حياته، وتوفي وله 137 سنة، ثم ولى واحد، وقيل‏:‏ اثنان من أبنائه‏:‏ نابت ثم قَيْدار، ويقال العكس، ثم ولى أمر مكة بعدهما جدهما مُضَاض بن عمرو الجُرْهُمِىّ، فانتقلت زعامة مكة إلى جرهم، وظلت في أيديهم، وكان لأولاد إسماعيل مركز محترم؛ لما لأبيهم من بناء البيت، ولم يكن لهم من الحكم شيء‏.‏
ومضت الدهور والأيام ولم يزل أمر أولاد إسماعيل عليه السلام ضئيلًا لا يذكر، حتى ضعف أمر جرهم قبيل ظهور بُخْتُنَصَّر، وأخذ نجم عدنان السياسى يتألق في أفق سماء مكة منذ ذلك العصر، بدليل ما جاء بمناسبة غزو بختنصر للعرب في ذات عِرْق، فإن قائد العرب في الموقعة لم يكن جرهميًا، بل كان عدنان نفسه‏.‏
وتفرقت بنو عدنان إلى اليمن عند غزوة بختنصر الثانية ‏(‏سنة 587 ق‏.‏ م)‏ وذهب برخيا ـ صاحب يرمياه النبي الإسرائيلى بَمَعَدّ ـ إلى حران من الشام، فلما انكشف ضغط بختنصر رجع معد إلى مكة فلم يجد من جرهم إلا جَوْشَم بن جُلْهُمة، فتزوج بابنته مُعَانة فولدت له نزارًا‏.‏
وساء أمر جرهم بمكة بعد ذلك، وضاقت أحوالهم، فظلموا الوافدين إليها، واستحلوا مال الكعبة، الأمر الذي كان يغيظ العدنانيين ويثير حفيظتهم، ولما نزلت خزاعة بِمَرِّ الظَّهْران، ورأت نفور العدنانيين من الجراهمة استغلت ذلك، فقامت بمعونة من بطون عدنان ـ وهم بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة ـ بمحاربة جرهم، حتى أجلتهم عن مكة، واستولت على حكمها في أواسط القرن الثانى للميلاد‏.‏
ولما لجأت جرهم إلى الجلاء سدوا بئر زمزم، ودرسوا موضعها، ودفنوا فيها عدة أشياء، قال ابن إسحاق‏:‏ فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمى بغزالى الكعبة، وبحجر الركن الأسود فدفنهما في بئر زمزم، وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن، فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنًا شديدًا، وفي ذلك قال عمرو‏:‏

كأن لم يكـن بين الحَجُـون إلى

الصَّفَا أنيـس ولم يَسْمُر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلـها فأبـادنـا
صُرُوف الليالى والجُـدُود العَـوَاثِر

ويقدر زمن إسماعيل عليه السلام بعشرين قرنًا قبل الميلاد، فتكون إقامة جرهم في مكة واحدًا وعشرين قرنًا تقريبًا، وحكمهم على مكة زهاء عشرين قرنًا‏.‏
واستبدت خزاعة بأمر مكة دون بنى بكر، إلا أنه كان إلى قبائل مضر ثلاث خلال‏:‏

الأولى‏:‏
الدفع بالناس من عرفة إلى المزدلفة، والإجازة بهم يوم النفر من منى، وكان يلى ذلك بنو الغَوْث بن مرة من بطون إلياس بن مضر، وكانوا يسمون صُوفَة، ومعنى هذه الإجازة أن الناس كانوا لا يرمون يوم النفر حتى يرمى رجل
من صوفة، ثم إذا فرغ الناس من الرمى وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بجانبى العقبة، فلم يجز أحد حتى يمروا، ثم يخلون سبيل الناس، فلما انقرضت صوفة ورثهم بنو سعد بن زيد مناة من تميم‏.‏
الثانية‏:‏
الإفاضة من جمع غداة النحر إلى منى، وكان ذلك في بنى عدوان‏.‏
الثالثة‏:‏
إنساء الأشهر الحرم، وكان ذلك إلى بنى فُقَيْم بن عدى من بنى كنانة‏.‏
واستمرت ‏(‏ولاية)‏ خزاعة على مكة ثلاثمائة سنة‏.‏ وفي وقت حكمهم انتشر العدنانيون في نجد وأطراف العراق والبحرين، وبقى بأطراق مكة بطون من قريش وهم حُلُول وصِرْم متقطعون، وبيوتات متفرقون في قومهم من بنى كنانة، وليس لهم من أمر مكة ولا البيت الحرام شيء حتى جاء قصى بن كلاب‏.‏
ويذكر من أمر قصى‏:‏ أن أباه مات وهو في حضن أمه، ونكح أمه رجل من بنى عُذْرَة ـ وهو ربيعة بن حرام ـ فاحتملها إلى بلاده بأطراف الشام، فلما شب قصى رجع إلى مكة، وكان واليها إذ ذاك حُلَيْل بن حَبْشِيَّة من خزاعة، فخطب قصى إلى حليل ابنته حُبَّى، فرغب فيه حليل وزوجه إياها، فلما مات حليل قامت حرب بين خزاعة وقريش، أدت أخيرًا إلى تغلب قصى على أمر مكة والبيت‏.‏
وهناك ثلاث روايات في بيان سبب هذه الحرب‏:‏

الأولى‏:‏
أن قصيًا لما انتشر ولده وكثر ماله وعظم شرفه وهلك حليل رأى أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبنى بكر، وإن قريشًا رءوس آل إسماعيل وصريحهم، فكلم رجالًا من قريش وبنى كنانة في إخراج خزاعة وبنى بكر عن مكة فأجابوه‏.‏
الثانية‏:‏
أن حليلًا ـ فيما تزعم خزاعة ـ أوصى قصيًا بالقيام على الكعبة وبأمر مكة، ولكن أبت خزاعة أن تمضى ذلك لقصى فهاجت الحرب بينهما‏.‏
الثالثة‏:‏
أن حليلًا أعطى ابنته حبى ولاية البيت، واتخذ أبا غُبْشان‏.‏ الخزاعي وكيلا لها، فقام أبو غبشان بسدانة الكعبة نيابة عن حبى، وكان في عقله شيء، فلما مات حليل خدعه قصى، واشترى منه ولاية البيت بأذواد من الإبل أو بزق من الخمر، ولم ترض خزاعة بهذا البيع، وحاولوا منع قصى عن البيت، فجمع قصى رجالًا من قريش وبنى كنانة لإخراج خزاعة من مكة، فأجابوه‏.‏
وأيا ما كان، فلما مات حليل وفعلت صوفة ما كانت تفعل أتاهم قصى بمن معه من قريش وكنانة عند العقبة، فقال‏:‏ نحن أولى بهذا منكم، فقاتلوه فغلبهم قصى على ما كان بأيديهم، وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصى، فبادأهم قصى وأجمع لحربهم، فالتقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا، ثم تداعوا إلى الصلح فحكَّموا يَعْمُر بن عوف أحد بنى بكر، فقضى بأن قصيًا أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة، وكل دم أصابه قصى منهم موضوع يشدخه تحت قدميه، وما أصابت خزاعة وبنو بكر ففيه الدية، وأن يخلى بين قصى وبين الكعبة، فسمى يعمر يومئذ‏:‏ الشداخ‏.‏
وكانت فترة تولى خزاعة أمر البيت ثلاثمائة سنة، واستولى قصى على أمر مكة والبيت في أواسط القرن الخامس للميلاد سنة 440م، وبذلك صارت لقصى ثم لقريش السيادة التامة والأمر النافذ في مكة، وصار قصى هو الرئيس الديني لهذا البيت الذي كانت تفد إليه العرب من جميع أنحاء الجزيرة‏.‏
ومما فعله قصى بمكة أنه جمع قومه من منازلهم إلى مكة، وقطعها رباعًا بين قومه، وأنزل كل قوم من قريش منازلهم التي أصبحوا عليها، وأقر النسأة وآل صفوان وعدوان ومرة بن عوف على ما كانوا عليه من المناصب؛ لأنه كان يراه دينًا في نفسه لا ينبغى تغييره‏.‏
ومن مآثر قصى‏:‏ أنه أسس دار الندوة بالجانب الشمالى من مسجد الكعبة، وجعل بابها إلى المسجد، وكانت مجمع قريش، وفيها تفصيل مهام أمورها، ولهذه الدار فضل على قريش؛ لأنها ضمنت اجتماع الكلمة وفض المشاكل بالحسنى‏.‏
وكان لقصى من مظاهر الرياسة والتشريف‏:‏

1 ـ رياسة دار الندوة‏:‏ ففيها كانوا يتشاورون فيما نزل بهم من جسام الأمور، وفيها كانوا يزوجون بناتهم‏.‏
2 ـ اللواء‏:‏ فكانت لا تعقد راية ولا لواء لحرب قوم من غيرهم إلا بيده أو بيد أحد أولاده، وفي هذه الدار‏.‏
3 ـ القيادة‏:‏ وهي إمارة الركب، فكانت لا تخرج ركب لأهل مكة في تجارة أو غيرها إلا تحت إمارته أو إمارة أولاده‏.‏
4 ـ الحجابة‏:‏ وهي حجابة الكعبة،لا يفتح بابها إلا هو، وهو الذي يلى أمر خدمتها وسدانتها‏.‏
5 ـ سقاية الحاج‏:‏ وهي أنهم كانوا يملأون للحجاج حياضًا من الماء، يحلونها بشيء من التمر والزبيب، فيشرب الناس منها إذا وردوا مكة‏.‏
6 ـ رفادة الحاج‏:‏ وهي طعام كان يصنع للحاج على طريقة الضيافة، وكان قصى فرض على قريش خرجًا تخرجه في الموسم من أموالها إلى قصى، فيصنع به طعامًا للحاج، يأكله من لم يكن له سعة ولا زاد‏.‏
كان كل ذلك لقصى، وكان ابنه عبد مناف قد شرف وساد في حياته، وكان عبد الدار بكره‏.‏ فقال له قصى فيما يقال‏:‏ لألحقنك بالقوم وإن شرفوا عليك، فأوصى له بما كان يليه من مصالح قريش، فأعطاه دار الندوة واللواء والقيادة والحجابة والسقاية والرفادة، وكان قصى لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه، وكان أمره في حياته وبعد موته كالدين المتبع، فلما هلك أقام بنوه أمره لا نزاع بينهم، ولكن لما هلك عبد مناف نافس أبناؤه بنى عمهم عبد الدار في هذه المناصب، وافترقت قريش فرقتين، وكاد يكون بينهم قتال، إلا أنهم تداعوا إلى الصلح، واقتسموا هذه المناصب، فصارت السقاية والرفادة والقيادة إلى بنى عبد مناف، وبقيت دار الندوة واللواء والحجابة بيد بنى عبد الدار‏.‏ وقيل‏:‏ كانت دار الندوة بالاشتراك بين الفريقين، ثم حكم بنو عبد مناف القرعة فيما أصابهم، فصارت السقاية والرفادة لهاشم والقيادة لعبد شمس، فكان هاشم بن عبد مناف هو الذي يلى السقاية والرفادة طول حياته، فلما مات خلفه أخوه المطلب بن عبد مناف، وولى بعده عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف جد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وبعـده أبنـاؤه حتى جـاء الإسلام والولاية إلى العبـاس‏.‏ ويقـال‏:‏ إن قصيًا هـو الذي قسم المناصب على أولاده، ثم توارثها أبناؤهم حسب التفصيل المذكور، والله أعلم‏.‏
وكانت لقريش مناصب أخرى سوى ما ذكرنا وزعوها فيما بينهم، وكونوا بها دويلة ـ بل بتعبير أصح‏:‏ شبه دويلة ديمقراطيةـ وكانت لهم من الدوائر والتشكيلات الحكومية ما يشبه في عصرنا هذا دوائـر البرلمـان ومجالسها، وهاك لوحة من تلك المناصب‏:‏
1-
الإيسار‏:‏ أي تولية قداح الأصنام للاستقسام، وكان ذلك في بني جُمَح‏.‏
2-
تحجير الأموال‏:‏ أي تنظيم القربات والنذور التي كانت تهدى إلى الأصنام، وكذلك فصل الخصومات والمرافعات‏.‏وكان ذلك في بني سهم‏.‏
3-
الشورى‏:‏ وكانت في بني أسد‏.‏
4-
الأشناق‏:‏ أي تنظيم الديات والغرامات، وكان ذلك في بني تَيْم‏.‏
5-
العقاب‏:‏ أي حمل اللواء القومى، وكان ذلك في بني أمية‏.‏
6-
القبة‏:‏ أي تنظيم المعسكر، وكذلك قيادة الخيل، وكان في بني مخزوم‏.‏
7-
السفارة‏:‏ وكانت في بني عدي‏.



يتبع بإذن الله




تنبيه :

إخواني وأخواتي أحبتي في الله أعتذر عن الرد على المداخلات فالموضوع متسلسل وطويل ويحتاج منا الصبر فجزاكم الله خير الجزاء
أخوكم ومحبكم : عبدالرحمن .

رمز الحياء 05-06-12 05:03 AM

جزاك الله كل خير وبارك الله فيك


الساعة الآن 09:59 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant